التصور (concept, begriff)


أفتتح أول تعريف للتصور بذلك الذي حدده هوسرل حيث يعتبر التصور، أو الفكرة (idea) الكلّية، بأنه الماهية باعتبارها مجرّبة.

إن مصطلح (concept, begriff) يترجم أحيانًا على أنه المفهوم ولكن ذلك يبعده عن المعنى الصحيح لأن المفهوم قد يترادف مع المضمون وهو يأتي في مقابل التصور، ويترجمه موسى وهبة في ترجمته عن نقل العقل المحض بـ "الأفهوم" لتمييزه عن المفهوم. حيث الأفهوم لديه مقابل للمفهوم. أما أكثر المفكرين العرب في الوقت الراهن بما فيهم المسكيني يقومون بترجمته "تصور". وأرى أن هذا الاصطلاح أقرب لما يقابله في اللاتينية والألمانية. خاصة حين ترون معي كيف نشأ في الأساس عن المثال الأفلاطوني الذي يقال عنه أيضًا "فكرة" أو "صورة". وأعتقد أن المجال مفتوح لنقاش هذا الاصطلاح على نحو مكثف لتمييزه عن المفهوم والمضمون والتمثل.أي (concept) في مقابل (content) و (representation).


في تراثنا العربي يعتبر الجرجاني التصور، بأنه عند علماء النفس، يكون حصول صورة الشيء في العقل، وعند المناطقة، هو إدراك الماهية من غير أن يحكم عليها بنفي أو إثبات. (انتهى الاقتباس)

يقول (جميل صليبا): التصورات هي المعاني العامة المجردة، فإذا نظرت إلى المعنى العام من جهة شموله أي من جهة ما يصدق عليه دل على مجموع أفراد الجنس (genus)، وإذا نظرت إليه من جهة تضمنه دلّ على التصور الذهني (conception) مثال ذلك أن يدرك معنى الإنسان من حيث هو جنس يدل على مجموع غير معين من الأفراد المندرجين فيه، ولكنه من حيث هو تصور ذهني يدل على مجموع الصفات المشتركة بين جميع الناس. والفلاسفة يفرقون بين التصور القبلي، والتصور البعدي، فيقولون إن التصور القبلي أو التصور المحض هو التصور المتقدم على التجربة كتصور الوحدة والكثرة وغيرها (كانط). أما التصورات البعدية فهي المعاني العامة المستمدة من التجربة، كتصور معنى الإنسان، أو معنى الحيوان، أو معنى النبات، أو غيرها. (انتهى الاقتباس)

ويجب أن نفرق بين التصور (concept)، وجهاز التصور ذاته وهو (conception)، حيث الأخير يمثل عملية التصور على نحو عام، أو يصف العملية التي تجري من خلال قدرة الذهن.


وأقوم هنا بترجمة للمصطلح رجوعًا إلى قواميس الفلسفة (Alan Lacey وإلى Blackwell Dictionary of Western Philosophy)، ثم أتتبع معنى المصطلح عند كانط في القاموس التاريخي لكانط والكانطية.


يقول ألان ليسي (Alan Lacey) في قاموس الفلسفة: لقد اتخذ "التصور" بعض استخدامات المصطلح الغامض للـ"الفكرة أو المثال"، 'IDEA'، وربما كان ذلك على نحو جزئي، لأن مصطلح "الفكرة" يوحي بالصور (images) وما إلى ذلك. لكن "التصور" يكون غامضًا بين المعنى المنطقي، المرتبط بفريجه (Frege)، والمعنى (الأكثر شيوعاً)، حيث يعتبر مضمون الفكر، أو نمطًا لتمثيلات عن خاصّة ما (property). ومع ذلك ترتبط التصورات مع الكليّات (universals)، وبالنسبة لأحد الآراء فإن التصورات تكون "عن" الكليات، بحيث أننا كي يكون لدينا تصور عن، على سبيل المثال، "قطة" ما، هو أن يكون مرتبطًا بموضوع غير-مادي كـ "المثال" الأفلاطوني (form). ولكن ربما يكون من الأفضل أن يُتّخذ "التصور عن القطة" كوحدة لغوية واحدة ، مثل 'تصور-قطة'، بحيث لا يميل المرء إلى البحث عن كائن ما ترمز إليه "القطة".

تجعل وجهة نظر وثيقة الصلة، وهي الواقعية التصورية (conceptual realism)، التصور نفسه كيانًا جوهريًا، بحيث يرتبط به المرء بطريقة أو بأخرى عندما "يمتلك" ذلك التصور. وهذا يؤدي إلى 'مفارقة التحليل'.

بينما تقول الواقعية التصورية في الواقع أن التصورات تعتبر بأنها كليّات، يقول الاتجاه التصوري (conceptualism) أن الكلّيات هي التي تعتبر تصورات، ولكن ذلك يترك الأفق مفتوحًا عن الماهية التي تكون عليها التصورات بالمعنى السيكولوجي. إذ يبدو أنها تكون معتمدة-على-العقل ولكنها مشتركة بين العديد من العقول.

من الممكن أن يكون امتلاك تصور ما يعني امتلاك وسيلة لتصنيف أشياء من نوع معين مع بعضها البعض، ويعني بطريقة ما التفكير بها أو الاستدلال عنها، على الرغم من أن البعض يصر على معنى أن يكون لدى المرء تصور عن شيء ما فإنه يجب أن يعرف أيضًا ماذا يكون عليه ذلك الشيء. وهذا ربما يشير إلى أن التصورات هي عبارة عن قدرات، بحيث أن يكون لديك تصور عن "القطة"، يعني أن تكون قادرًا على التفكير في "القطط". وإن المدى التي يجب أن تغطيها هذه القدرة هو موضع نزاع. هل يكون تصور حيوان ما، أو آلة ما، أو تصور عن قطة ما، كما لو أنه يتفاعل بشكل مختلف مع القطط؟ هل يمكن لرجل أعمى منذ الولادة أن يكون لديه تصور عن اللون الأحمر؟ هل امتلاك تصور ما ينطوي على القدرة على استخدام كلمة ما؟ ربما يكون "امتلاك تصور ما" غامضًا من حيث هذه الاعتبارات. وأننا يجب علينا أن نميز بين التصور العام عن القطة، أو تصور-القطة، وتصور الفرد عن القطة (على الرغم من أننا ربما نستخدم هنا مصطلح 'جهاز التصور'، "conception"). قد يشمل الفرد هنا الثعالب، أو أن يعتقد أن الكلاب يجب بحكم التعريف أن يكون لها ذيول؛ ولكنه إذا باعد لدرجة كبيرة فإن تصوره لن يعود تصورًا عن الكلب.

يعتبر "التصور" بالنسبة لفريجه مصطلحًا منطقيًا، يكون في مقابل الموضوع. 'إن التصور هو إحالة إلى محمول (predicate) ما'، بينما فقط يمكن أن يكون الشيء (object) إحالة إلى موضوع/ حامل (subject) ما. في الواقع يمكن للتصورات أن يُتَحَدَّث عنها، ولكن فقط بشكل غير مباشر، على نحو حين نقول 'هناك جذر مربع واحد على الأقل للعدد أربعة'، فإننا نتحدث عن تصور عن الجذر التربيعي للأربعة. وحين نقول 'آركل هو الحصان'، فإن كلمة 'آركل' تتحدث عن موضوع ما، في حين 'هو الحصان' تتحدث عن تصور ما. وبالتالي فإن التصورات تكون غير مكتملة إلى حد ما: حيث أن كلمة 'آركل' يمكن أن تقوم بنفسها، باعتبارها اسمًا، على نحو لا تستطيع فيه عبارة 'هي حصان' أن تفعل. وقد عبّر فريجه عن ذلك من خلال اعتباره للموضوعات بأنها (مشبعة) وللتصورات بأنها (غير مشبعة). في الواقع إن فريجه يقوم بتعريف التصور على أنه 'دالة قيمتها هي دائماً قيمة-الصحّة (truth-value)'. وبما أن ما يشار إليه من خلال حد-الموضوع يكون تلقائياً شيئًا ما، فقد خلص فريجه إلى مفارقة أن 'تصور الحصان ليس تصورًا' لأننا نقوم بالإحالة إليه.

(المصدر: A Dictionary Of Philosophy by Alan Lacey )


فكرة عامة أو معنى عام (1) (Notion) قد تنطبق على العديد من الأشياء والتي يتم التعبير عنها بكلمات عامة. إنه أبسط مضمون في تفكيرنا. وتتمايز التصورات مع الأسماء الخاصة بها، بحيث تشير فقط إلى شيء واحد فردي. إن الأفراد تندرج تحت التصورات، وإننا نتحدث عن الأفراد من حيث تصوراتها. إن التصورات نفسها تُقرّ بدرجة من العمومية. وتصور الجنس أوسع في الامتداد من تصور النوع. التصور عنصر من عناصر القضايا. وهو يتوسط بين العقل والواقع المادي، إذ أنه كيان سيكولوجي له مضمون لا-سيكولوجي، ومن ثم فإنه ينتمي إلى ما يطلق عليه فريجه (Frege) النطاق الثالث.

إن أحد الاهتمامات المحورية في الفلسفة التحليلية هو تصنيف تصوراتنا الأساسية من خلال تحليل مضامينها وعلاقاتها المنطقية مع التصورات الأخرى. حيث تهتم الفلسفة بتحليل تصورات مثل الصحيح والمعنى والشخص والعقل والجسد والعدالة والخير والموضوع والسبب والمادة والحركة والمكان والزمان والجمال وعلاقاتها المنطقية. ولمثل هذه التصورات تطبيقات واسعة النطاق، وهي ضرورية في التعبير والفهم. نجد أن تحليل هذه التصورات يكون، في كثير من الأحيان، حاضرًا في سياق نظريات متطورة تقوم باستخدام العديد من التصورات الأساسية بدلا من أن نجدها مجردة على حدة. إن التصورات في ذاتها لا تُقر بالصحة أو الخطأ، ولكن القضايا التي تكون فيها التصورات عبارة عن مكونات لها هي التي تكون حاملة لقيمة الصحيح.

يميز فريجه التصورات عن الموضوعات، حيث يقترح أن الاولى يتم التعبير عنها من خلال المحمولات، بينما الأخيرة يعبر عنها من خلال الحوامل أو الأسماء.

'إن التمثيل (representation) من خلال العقل هو تصور ما . . . التمثيلات الكلية هي تصورات، والتصورات هي تمثيلات كلية." محاضرات عن المنطق، كانط.

(1)- المعنى (notion): هو الصورة الذهنية من حيث وضع بإزائها اللفظ، ويطلق على ما يقصد بالشيء، أو على ما يدل عليه القول، او الرمز، أو الإشارة (جميل صليبا)

(المصدر: The Blackwell Dictionary of Western Philosophy by Nicholas Bunnin, Jiyuan Yu )


التصور/ كانط

قدم كانط، في أماكن مختلفة ضمن كتاباته تعريفات مختلفة، وإن كانت ذات صلة، لمعنى "التصور": " وحدة الوعي لتمثُّلات (representations) متصلة '' (1)، "وعي لفعّالية اتصال متنوّع (manifold) التمثُّلات وفقًا لقانون الوحدة (unity) (2)"، أو"تمثُّل كليّ (تمثّل من خلال الحس المشترك) (repraesentatio per notas communes)، أو تمثُّل انعكاسي للفكر (تمثّل سياقي) (repraesentatio discursiva) (3). حيث تشترك هذه التعريفات في الرأي القائل بأن التصورات هي نتاج عفوية قدرة الفهم (understanding) وأنها توحد التمثُّلات وفقًا لقانون ما.

ميز كانط التصورات جذريًا عن الحدوس (intuitions)، بحيث اعتبر هذه الأخيرة تمثُّلات جزئية. ومع ذلك، فقد كان أحد المبادئ الأساسية لنظرية المعرفة لديه أن المعرفة (cognition) لا يمكن أن تنشأ إلا إذا تضمنها كل من الحدوس والتصورات. وهكذا أعلن أن التصورات بلا حدوس تكون فارغة، كما أن الحدوس بلا تصورات تكون عمياء (4). واحتفظ كانط عمومًا بمصطلح "التصور" للدلالة على ما تنتجه قدرة الفهم، مفضلاً تسمية تصورات (concepts) العقل "بالأفكار" (ideas).

قام كانط ضمن مجموعة التصورات، بالتمييز بين تصورات إمبريقية (التجريبية) وتصورات محضة. حيث أنه لم يكن مهتمًا كثيرًا بالأولى ولم يقدم أي نظرية لتفسيرها، إنما ذكر فقط أنها "تنشأ من الحواس من خلال مقارنة موضوعات التجربة، وأن تمتلك من خلال قدرة الفهم صورة (form) العمومية فقط ''. (5) ركز كانط بدلاً من ذلك، على التصورات المحضة، وأعني بها المقولات (categories). إذ قامت هذه الأخيرة ببناء أساس نظريته في الإبستمولوجيا من خلال توفير بنية للمعرفة (cognition)، ومن خلال عملها كعناصر صورية (formal) تقوم بواسطتها قدرة الفهم على انتاج مركّبٍ عن التنوّعية (synthesis of the manifold).

  1. الإصدار الاكاديمي 7 ، ص 113

  2. الإصدار الاكاديمي 7 ، ص 141

  3. الإصدار الاكاديمي 9 ، ص 91

  4. النقد الإصدار الأول 51 / النقد الإصدار الثاني 75

  5. الإصدار الأكاديمي 9، ص 92

(المصدر: Historical Dictionary of Kant and Kantianism by Helmut Holzhey & Vilem Mudroch)

134 views0 comments

Recent Posts

See All