الكينونة والوجود - Being and Existence

بحث وترجمة: يامن زينة




حافظت الوجودية المحدثة على التمييز بين الماهية والوجود ، لكنها قامت بعكس أولوية الماهية على الوجود، التي كانت في العصور الوسطى. حيث أن الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر، الذي انتقد النظرية التوماوية عن العلاقة السببية القائمة على الاختلاف بين الله والعالم وكذلك النظرية المتعلقة بها والتي تميز بين الهوية والوجود، أقول كان قد تعامل هيدغر مع مسألة الكينونة على نحو جديد جدًا والتي انطوت على اعتبار الكائن الإنساني كـ "دازاين-Dasein " (أي "كينونة - الهناك") والذي يعتبره هيدغر مرادفًا للوجود.

رفض غالبية الفلاسفة التحليليين التمييز بين الكينونة والوجود. لكن بالنسبة لأولئك الفلاسفة واللاهوتيين الذين يعتبرون التمييز بين الكينونة والوجود أمرًا مهمًا، كان لديهم قضيتان مهمتان: وهما الغائية والتفرد (1) أو التجسيد. لأي غرض توجد الأشياء المتفردة؟ وكيف تصبح الأشياء تجسيدات متفردة عن كلياتها المطابقة لها؟ لقد تم اقتراح مقاربة هامة للقضية الأولى من قبل عالم اللاهوت الأمريكي شوبرت أوغدن (Schubert Ogden)، الذي جمع بين الوجودية والتوحيدية العملية للإله (process theism) في شرح وحدة الواقع التي تتمحور حول غاية الله. وتناول اليسوعي الإسباني فرانسيسكو سواريز (Francisco Suárez) القضية الثانية بتقديم اقتراح يعتبر أن الاتحاد القائم بين صورة ومادة الجوهر هو الذي يحدد تفرد ذلك الجوهر المتجسد.


العلاقة بين الكينونة والوجود

الفلسفة اليونانية

يُظهر التاريخ علاقة معقدة نوعًا ما قائمة بين الكينونة والوجود. حيث أن الكلمة اليونانية القديمة التي تكافئ الفعل الإنكليزي "be"، (أي" يكون")، هي الكلمة "einai"، ولكن يبدو أنه لا يوجد كلمة مكافئة في اليونانية القديمة للفعل الإنكليزي "exist"، (أي "يوجد"). ولم يتم إيجاد الكلمة اللاتينية "exsistere" إلا في العصور الوسطى، والتي نُحتت من مزيج من الكلمتين "ex" (والتي تعني "من خارج") و "sistere" (والتي تعني "أن يسبب القيام") لتدل بذلك على معنى "أن يوجد" أو "يظهر" أو "ينبثق". وكان السبب وراء عدم وجود أي تصور مميز في اللغة اليونانية القديمة عن "الوجود"؛ هو أن المشروع الأساسي في الفلسفة اليونانية من بارمنيدس إلى أرسطو كان مشروعًا واقعيًا يقوم بالتعبير عمّا هو حقيقي في الواقع من خلال الجمل التي تحتوي على الرابطة (copula ) والتي هي على الشكل "س هو ص" (X is Y). حيث كانت نظرية الحمل (predication) مركزية، بينما كانت نظرية الوجود هامشية. لهذا السبب، حتى عندما أراد الفلاسفة اليونانيون التعبير عن مفهوم الوجود، فإنهم قد فعلوا ذلك فقط من خلال صورة حملية؛ فقد تم التعبير عن "(س) موجود" في هيئة "(س) يكون شيئًا ما". وبالتالي، كان لابد من استخدام كلمة "einai" (أي "يكون") ("be") على نطاق أوسع من معناها الحملي. إذ أن أرسطو قام في سياق هذا الاستخدام الأوسع لـكلمة "einai" (أي "يكون") بالإشارة إلى مفهوم الوجود باعتبارأنه "hoti esti" (أي " هذا هو يكون") ("that it is") على أنه يختلف عن "ti esti" (أي "ما هو عليه يكون") ("what it is")، والذي قد يعني الماهية (essence).

بدأ استخدام الفعل اليوناني القديم "hyparkein" (الذي يعني في الأصل "أن يصنع بداية") في الفلسفة اليونانية المتأخرة على نحو غير تقني ليفيد معنى "يوجد". لكن، لا تزال هذه الكلمة ومثيلتها الكلمة اللاتينية المبكرة الناتجة عنها "exsistere" على نحو مستمر إلى حد ما وبشكل غامض تحتفظان بالمعنى الحملي أيضًا، وعلاوة على ذلك، لم يكن استخدام الاسم exsistentia (أي "الوجود") شائعًا بعد.


الفلسفة المسيحية في العصور الوسطى

مع ذلك تم تأسيس مفهوم "existentia" (أي "الوجود")، في نهاية المطاف، بين الفلاسفة المسيحيين في العصور الوسطى من أمثال القديس توما الأكويني كمصطلح تقني في تضاد مع "essentia" (أي "الماهية")، وهو الصورة المجردة للزمن المضارع المستمر المفروض لـ "esse"، (أي " to be - فعل الكون"). بينما كانت الماهية (essence - الكون) تعني في ظاهر الامر "ما يكون عليه الشيء، (أي ماهية الشيء)"، فإن الوجود (existence) يعني "أن ذلك الشيء يوجد". ووفقًا لتشارلز هـ. كان ( Charles H. Khan)، فقد حدث هذا التطور للمعنى الحديث للوجود تحت تأثير الفلسفة الإسلامية، التي ميزت "الوجود" عن "الماهيات" من خلال مراجعتها الجذرية للأنطولوجيا اليونانية في ضوء ميتافيزيقا الكتاب المقدس عن الخلق في الإسلام الذي ميز العالم المخلوق (العرض) عن الله (الضرورة). وقد تبنى ذلك القديس توما الإكويني، محتفظًا باعتبار أن الماهية والوجود متميزان في كل مخلوق عرضي وفان، في حين أنهما، أي الماهية والوجود، متامثلان عند الله، الذي هو بالتالي منزه عن العالم. ووفقًا له، يكون الله سببًا في أن كل مخلوق فانٍ "يوجد" مع "ماهيته".

أشار الإكويني، مع ذلك، إلى هذه العلاقة السببية في الاختلاف بين الله والعالم بما يعنيه اصطلاح "analogia entis" (أي "قياس الكينونة - analogy of being") ، مشيرًا إلى اعتبار أن الله "ipsum esse subsistens"، ( أي "كائنًا قائمًا بذاته - Self-subsistent Being")، واعتبار كل مخلوق فان على أنه "ens" (أي "كينونة - Being"). هذا يعني أنه بدلاً من تطور "existentia" (أي "الوجود") ككلمة جديدة ذات معنى مميز في العصور الوسطى، بقي مصطلح "esse" (أي "يكون") مستخدمًا بشكل عام أيضًا لاشتمال معنى "الوجود". حيث كان تركيز الوجودية الحديثة على كون الوجود سابقًا على الماهية لا يزال غريبًا.


انتقادات لاحقة على الموقف التومائي

تم انتقاد التمييز التومائي بين الماهية والوجود في العالم المخلوق من قبل اللاهوتيين والفلاسفة في وقت لاحق لأسباب مختلفة. حيث كان من بين النقاد دانس سكوتوس (Duns Scotus)، وفرانسيسكو سواريز، ورينيه ديكارت ، و غوتفريد لايبنتز، وديفيد هيوم، وإيمانويل كانط. لكن النقد الوجودي بشكل خاص كان جديرًا بالملاحظة بسبب محاولته عكس ترتيب الأولوية بين الماهية والوجود. أنكر "سورين كيركيغارد" كون أهمية الماهية الموضوعية لشيء ما في صالح المصادرة الذاتية له. وبالتالي، فقد اعتبر أنه لا توجد حقيقة في المعرفة الموضوعية للماهية في ذاتها، وأن الحقيقة حول الواقع لا تنكشف إلا في "شغف اللامتناهي" لذات الإنسان كمؤمن. وذهب جان بول سارتر، في حديثه عن ماهية ووجود الإنسان، والذي كانت الوجودية بالنسبة له تعني أنسنة ملحدة ( atheistic humanism)، إلى حد القول إنه بسبب عدم وجود خالق، فإن الوجود سابق على الماهية.

على الرغم من ذلك، كان أبرز النقاد الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر. حيث وفقًا لهيدجر، فإن نظرية توماس عن العلاقة السببية القائمة على الاختلاف بين الله والعالم من خلال " قياس الكينونة - analogy of being" ، ونظريته المتعلقة بالتمييز بين الماهية والوجود في العالم، بعيدة كل البعد عن الإجابة على السؤال الأساسي حول معنى الكينونة (being)، والذي لم يتم الإجابة عليه في التقليد الفلسفي الطويل في الغرب على أية حال لأن الكينونة نفسها كانت تعتبر أمرًا بديهيًا أو غير قابل للتحديد.

من أجل السماح بالتالي للكائن الإنساني بمتابعة السعي باستمراره في السؤال عن "الكينونة - Sein"، أشار هايدجر إلى ذلك الإنسان على أنه "دازين - Dasein" (والتي تعني حرفيا "كينونة الهناك")، باعتباره "كينونة - في - العالم / In-der-Welt-sein")؛ والذي تم إلقاؤه في عالم الكائنات (Seiendes - beings) الزماني والفيمنولوجي، فإنه يواجه القلق والفناء هناك، لكن رغم ذلك يُتوقع منه أن يجرب الأصالة (authenticity ) من خلال الوقوف أمام انفتاح "الكينونة" بين "الكائنات". إن معنى "الكينونة" الذي يجب تجربته هنا، يعتبر ما قبل-التصوري (pre-conceptual ) واللا-افتراضي (non-propositional) في الوضع اليومي للحياة البشرية؛ وأن العلاقة السببية للاختلاف بين الله على اعتباره " كائنًا قائمًا بذاته'' (ipsum esse subsistens)، والعالم المخلوق من "الكائنات'' (ens) في ميتافيزيقا القديس توما الإكويني تم استبدالها بالتمييز بين "الكينونة '' (Sein)، و"الكائنات'' (Seiendes) في أنطولوجيا هايدجر الفينومنولوجية سعياً وراء معنى "الكينونة". وبالنسبة لهايدجر، تصبح كلمة "وجود" (Existenz) مرادفة ببساطة للدازين (Dasein ): "إن ’ماهية’ الدازاين يكمن في وجوده".


(1) - (individuation كون ذات الشيء متميزة أو معزولة عن غيرها)


المصدر/ newworldencyclopedia.org


#being #existence #essence #Heidegger #Thomas #Aquinas #الوجود #الوجودية #الكينونة #الماهية #الإكويني #هيدغر

322 views0 comments