الكينونة (Being-Sein)- بحث إتمولوجي

Updated: Jan 17, 2021


بحث في مصطلح الكينونة، من الناحية الإتمولوجية والفلسفية من برمنيدس إلى سبينوزا



بحث وترجمة: يامن زينة


إن مصطلح الكينونة هو من أكثر المصطلحات الإشكالية في الفلسفة حيث يترادف معناه مع الوجود في الترجمات العربية، ومع أن ابن سينا حاول تمييزه، لكنه استخدم لفظة الموجود، في قوله، "إن الموجود لا يمكن أن يشرح بغير الاسم، لأنه مبدأ أول لكل شرح، فلا شرح له، بل صورته تقوم في النفس بلا توسط شيء" (النجاة، ص 325). لكن في اليونانية يستخدم فعل الكون في الحديث عن الكينونة بصورة عامة بما فيها الوجود، وذلك لطبيعة اللغة التي تحوي كلمة خاصة للكينونة والتي تستخدم كرابطة في الجملة، وإن هذه الطبيعة هي التي أدت باليونانيين إلى التنبه على طبيعة الحمل المنطقي، وتغيب هذه الكلمة في اللغة العربية، ويحل محلها لفظ الوجود دائمًا. بالرغم من أن توما الإكويني حاول التفريق بين الكينونة والوجود في كتابه الذي يحمل أيضاً اسم الكينونة والوجود، إلا أن اصطلاح الكينونة لم يتوضح إلا بعد أن تمت إثارة الفروق بينه وبين الوجود بدءًا من كتابات جون ستيوارت ميل في تحليله للكينونة من حيث تعدد استخداماتها بين الحمل المنطقي (الرابطة COPULA) والمعنى الوجودي، وتمييز راسل لها على أنها أكثر الاصطلاحات غموضًا، وصولاً إلى هيدغر الذي شرع في بحث سؤال عن الكينونة من الأساس.

ولتمييز الإصطلاح وجب العودة إلى موضع نشأته في اللغة اليونانية وتسليط الضوء على كيفية انتقاله إلى اللغات الهندو-اوروبية.

من خلال هذا البحث أقوم بمحاولة لتعريف مصطلح الكينونة منذ نشأتها لدى برمنيدس مرورًا بأفلاطون وأرسطو، وتتبع الكيفية التي انتقلت بها إلى الإسكولائية. إن هذا البحث يجري على مقالات مرحلية بحيث أبدأ هنا بالتحليل الإتمولوجي للمصطلح ومن ثم علاقته بالفلسفة.


في الفلسفة اليونانية:

كانت الفلسفة اليونانية في أول عهدها تتخذ موقفًا معارضًا ضد التغير أو الصيرورة أو اللا-كون. وفقًا لبرمينيدس وتلامذته من المدرسة الإيلية، فإن كل شيء حقيقي ينتمي إلى مقولة الكينونة (Being)، باعتبارها الموضوع الوحيد الممكن للفكر. إن أقرب ما يعادل كلمة "كائن - being" في اليونانية القديمة هو(to on)، أي صيغة اسم الفاعل لفعل الكون (einai)، بالانكليزية (to be). يركز الجزء الأول من قصيدة بارمنيدس على كلمة (esti)، وهي صيغة المفرد الغائب لـفعل الكون (einai)، و(to eon)، أي ما يعادل (to on) في الديالكتيك البرمنيدي. حيث يعتبر "الكائن" (to on) بالنسبة لبرمينيدس، واحدًا، خالدًا، لا يتغير، محيط وأبدي، وأنه كما يقول، هو "الحقيقة"؛ إذ أن كل كلام عن التعددية والتغير ليس إلا "رأيًا" (doxa) ، وأنه ليس ما هو حقيقي عن "الكائن". بذلك، يخلص برمنيدس إلى نتيجة أن الحضور إلى الكينونة والرحيل عنها، واللذان يشكلان التغير، كلاهما وهم، لأن ما هو "غير-كائن" لا يمكن أن يكون، و أن "ما يكون" لا يمكن أن يتوقف عن الكون. بينما أكد الفيلسوفان الماديان، (لوقيبوس وديمقريطس)، على رفض الواحدية الإيلية، حيث أن وجود الأشياء ذاته، وطبيعتها المادية، بقدر ما هي عرضة للتغير والحركة، تفترض بالضرورة أمرًا آخر غير الكينونة، ألا وهو اللا-الكون، أو الفراغ. وهكذا ، بدلاً من اعتبار الفضاء تسلسلاً متصلاً (continuum)، رأوا في صميمه مصدرًا للا-اتصال وأساسًا للتركيب الذري للجوهر.

نظرًا لأن "الكائن" (to on)، و "الكائنات" (ta onta)، في اللغة اليونانية الاعتيادية، غالبًا ما يتم استخدامهما كمرادفات لأسماء شيء أو أكثر من الأشياء المعزولة/الفردية، فقد بحث فلاسفة يونانيون آخرون عن مواضع أخرى للحديث عن "الكينونة"، بالانكليزية (Being)، في سياقات مشبعة على نحو أنطولوجي. إن أحد المواضع المفضلة لدى أفلاطون التي يشير بها إلى المُثل (eidē) هو العبارة (to ontōs on)، أي "الموجود" أو "ما يكون في الحقيقة"، حيث يستخدم الظرف المنحوت من اسم الفاعل حتى يكثف معناه ، والذي يعني حرفياً، "الكائن كونًا"، في الانكليزية (the beingly being)، لكن عادةً ما يُترجم إلى الإنجليزية على أنه (the really real)، أي "الحقيقي حقًا". كان استخدام كلمة (ontōs) شائعاً، على نحو تقريبي، بمعنى "حقًا" أو "فعليًا" أو "في الواقع"، ولكن يبدو أن دمجها مع صيغة اسم الفاعل هو من ابتكار أفلاطون.

يستعمل أفلاطون أيضًا الاسم المجرد (ousia) المبني على نفس صيغة اسم الفاعل، وهو الجذر (-ont) بالإضافة إلى نهاية الاسم المجرد (sia-). حيث يجب أن يكون لهذه الكلمة، في اليونانية الاعتيادية، بعض الصدى الذي تتمتع به كلمة "الوجود" في اللغة الإنكليزية الاعتيادية (existence)، لكن غالبًا ما تستخدم، خارج السياقات الفلسفية، في الحديث عن الملكية أو الثروة، أو عن الخصائص الشخصية الهامة. تُترجم كلمة (ousia)، في الترجمات الإنكليزية لمحاورات أفلاطون، أحيانًا "الواقع"، (reality) وأحيانًا أخرى "الكينونة"، (Being)، بينما في الترجمات الإنجليزية لأرسطو، تُترجم كلمة (to on)، إلى (being)، أي "الكائن" بشكل موثوق، بينما تترجم كلمة (ousia) على نحو نمطي إلى (substance)، أي "الجوهر"، أو إلى (entity)، أي "كيان".

قبل أفلاطون الجزء الأول من حجة برمنيدس، الذي يشير إلى الفكر على أنه متميز عن المادة، وأكد أنه على الرغم من أن الصيرورة هي بالفعل خاصية ظاهرة لكل شيء حسي، لكن الواقع الحقيقي والنهائي، الذي يكمن في الأفكار، لا يتغير وأنه من طبيعة الكينونة (Being). أما أرسطو فقد توصل إلى حل وسط بين كل هذه الأفكار حيث زعم أنه على الرغم من أن الكينونة (Being)، باعتبارها ماهية الأشياء، تكون أبدية في ذاتها، إلا أنها لا تُظهر نفسها إلا في التغير، بقدر ما لا يكون لـ "المثل" أو "الصور" وجود مستقل عن، أو متعال (tran­scendent) على واقع الأشياء والعقول. لذلك في حوارات أفلاطون حيث تلعب المثل فيها دورًا، يكون التمييز بين الكينونة والصيرورة معادلًا للتمييز بين المثل والظواهر (phainomena)، أو بين موضوع المعرفة (epistēmē) وموضوع الرأي (doxa). ولا يستخدم أرسطو الموضع (to ontōs on)، أي "الموجود"، خارج استخدامه الشامل لكلمة (ousia)، أي الجوهر، حيث يمكننا أن نلاحظ الموضع ( to on hē on)، والذي يترجم عادةً في الانكليزية (being qua being)، "الكائن كما هو كائن"، [تترجم أيضًا في المصادرالعربية: الوجود كما هو موجود، لكن الأصح الكائن كما هو كائن وفقًا للعبارة اليونانية الأصلية، حيث كما ورد يمثل (on) صيغة اسم الفاعل من فعل الكون ] ، وأيضًا الموضع (to on haplōs)، الذي يترجم في الإنكليزية (that which simply is)، أي "ذلك الذي ببساطة يكون". ويتحدث أرسطو كثيرًا، وعلى نحو أكثر عمومية، عن العديد من معاني كلمة "الكائن"، "being": أحدها "الكينونة"، (to einai) بصيغة المصدر أو "الكائن"، (to on) بصيغة اسم الفاعل، التي لها عددٌ من المعاني بقدر ما يكون للمقولات العشر، لكن هناك أيضًا تمييز بين ما هو كائن بالقوة وما هو كائن بالفعل، وبين ما هو ماهوي وما هو عرضي، وبين التعادل بين الكائن (being) والحق. ويميل الرواقيون لاستخدام صور الكلمة (hyparchein)، أي "أن يوجد"، للتعبير عن كل من الوجود (existence)، والحمل.


في السكولائية:

يترجم المصطلح الإنكليزي ثلاثة مصطلحات لاتينية للكينونة، حيث في السكولائية، نجد لها دلالات مختلفة. إن الكلمة (ens)، أي "كائن"، باعتبارها اسمًا تصير المحمول (predicate) الأكثر عمومية وبساطة؛ وباعتبارها اسم فاعل، تصير المحمول الأساسي فقط فيما يتعلق بالله من حيث أن وجوده وماهيته [جوهره] كلاهما واحد، أو من حيث أن ماهيته [جوهره] تنطوي على وجوده. على الرغم من استخدام كلمة (Esse) يكون أحيانًا بمعنى أوسع، إلا أنه عادة ما يعني الوجود الذي يتم تحديده على أنه (actus essendi)، أي "حقيقة ماهية [جوهر] ما". يعيّن كل من المصطلحين (esse quid) أو(essentia) الطبيعة المحددة لكائن أو شيء ما، أي "الكائن هكذا"، بالانكليزية (being thus) أو الماهية (quiddity). إن (ens)، أي "الكائن" مقسم إلى كائن حقيقي وكائن عقلي (ens rationis). على الرغم من أن هذا الأخير له أيضًا خصائص، إلا أنه يقال إن له ماهية [جوهرًا] فقط بطريقة غير فعلية (improper). هنالك تقسيم آخر إلى الكون بالفعل والكون بالقوة. حيث يعتبر (ens)، أي "الكائن" أنه الأول بين التصورات؛ فيما يتعلق بالأنطولوجيا وعلم النفس؛ ويبدو أن العبارة الأخيرة كانت لأرسطو وقد تم تأكيدها في علم النفس التطوري.

إن كلمة (res)، أي "الشيء" وكلمة (ens)، أي "الكائن"، مترادفتان؛ حيث أن "الشيء" قد يكون (res extra mentem)، أي "خارج العقل"، أو (rationis)، أي "عقليًا" فقط. وكل (ens)، أي "كائن" هو: شيء ما، أي له ماهية، وهو واحد، وواقعي، أي يتوافق مع طبيعته الفعلية، وهو أيضاً خير. يقال عن هذه المصطلحات، التي تعتبر جوانب للتسمية التي تختلف عن "الكائن" (ens)، وعلى نحو افتراضي (virtually) فحسب، أنها قابلة للتحول عن "الكائن" (ens) وأيضًا عن بعضها البعض. إن مصطلح "الكائن" (ens) هو مصطلح قياسي (analogical)، وهذا يعني، وفقًا للقديس توما الأكويني، أنه لا يتم حمله بنفس الطريقة على كل نوع من الكائن. في الفلسفة السكوتائية، يعتبر "الكائن" (ens) على الرغم من ذلك، أنه أحادي المعنى وينطبق على الله بنفس المعنى الذي ينطبق فيه على الكائنات المخلوقة، رغم أنه يتم تمييزه عن الله على أنه (entia ab alio)، أي "الكائن عن غيره"، حيث أن الله هو (ens a se)، أي "الكائن في ذاته".

لم يقم مفكرو العصور الوسطى بإحياء هذا الخلاف على نحو كامل، على الرغم من أنهم قد أكدوا حينًا على الكينونة (Being)، كما هو الحال في الأفلاطونية المحدثة، وحينًا آخر على الصيرورة، كما في الأرسطية. مع ظهور الاهتمام الجديد بالطبيعة، بدءًا من فرانسيس بيكون، وهوبز، ولوك، بدأت المشكلة تنمو مرة أخرى من حيث الأهمية، خاصة بالنسبة للعقلانيين، باعتبارهم خصومًا للإمبريقيين.

اعتبر سبينوزا التغير صفة مميزة للوجود الجهوي (Modal Existence) وافترض في هذا الصدد موقفًا مشابهًا إلى حد بعيد لموقف أفلاطون. وكوّن هيجل إجابة جديدة على المسألة في إعلانه أن الطبيعة، التي تسعى جاهدة إلى استبعاد التناقضات، حيث يحب عليها أن "تنفيها": إذ أن الكينونة (Being) واللا-كينونة (Non-Being) هما "لحظات" من نفس العملية الكونية (Cosmic) التي تنشأ في أساسها من الكون؛ تحتوي على اللا-كون في داخلها وتؤدي بهما، على نحو واقعي ومنطقي، إلى اتحادهما التأليفي ضمن الصيرورة.

إن ذلك الذي "يكون"، في المعنى السبينوزي، هو المنزه (pre-eminent) بلا صفات - أي أنه المصدر والذات النهائية التي ترجع إليها جميع الاختلافات. هكذا ينقسم الكائن إلى ما هو كائن "في ذاته" و ما هو كائن "في غيره" (الإتيقا، I, Ax. 4). وبالمثل يتم تمييز الكائن باعتباره "محدودًا" و"غير محدود"، تحت صفات المطلق والنسبي؛ وبالتالي، يُعرَّف الله (المرجع نفسه ، 1 ، التعريف. 6) بأنه "كائن غير محدود على الإطلاق". يبدو أن سبينوزا يقترح أن مصطلح "الكائن"، بالمعنى الدقيق للكلمة، ليس له تعريف مناسب (Cog. Met., I, 1). إن الخصائص الرئيسية التي تميز معالجة سبينوزا لهذه الفكرة هي (1) تفريقه الواضح بين مسألتي الوجود والكائن، و (2) تمييزه بعناية بين ( ens reale) أي "الكائن الواقعي"، و (ens rationis)، أي "الكائن العقلي"، الذي يسعى سبينوزا بواسطته إلى تبرير الحجة الأنطولوجية في مواجهة النقد من قبل السكولائية المتأخرة.


المصادر:

1- Historical Dictionary of Ancient Greek Philosophy by Anthony Preus

2- The Dictionary of Philosophy by Dagobert D. Runes

207 views0 comments

Recent Posts

See All