المقولات (Categories)

في القاموس التاريخي للفلسفة اليونانية


تأتي المقولة (κατηγορία) (كاتيغوريا) في اللغة اليونانية العادية من كلمة ’كاتيغوريو’ (κᾰτηγορέω)، وتعني ’أن يُتَّهَم شخص ما بشيء، أو يُتَكّلم ضده أمام جمع ما (مثلًا أمام القضاة). أما أرسطو فهو يخصص الكلمة للتحدث عن الحمل (predication). حيث تتكلم الرسالة الأولى من أعمال أرسطو منذ تم تأليفها في العصور القديمة عن المقولات، أو محمولات القضايا الخبرية في صورتها الاعتيادية. يعتبر أرسطو أن الجمل الاعتيادية في اليونانية تتحدث عن الأشياء باعتبار أنها موجودة، أو عن أنواع الجواهر (في اليونانية ousiai، عادةً ما تُترجم "الجواهر") .

إذا أثبت أن شيئًا ما هو عضو في فئة ما (class)، فأنت في الواقع تحمل شيئًا ما ضمن "مقولة" الكينونة (الجوهر) (ousia). على سبيل المثال، "فيدو (يكون) كلبًا". ويميز أرسطو تسعة أنواع أخرى من المحمولات: الكيف (poion)، والكم (poson)، والعلاقة (الإضافة) (pros ti)؛ والفعل (poiein) والانفعال (paschein) (للأفعال الفاعلة والمنفعلة)؛ والزمان (pote)، والمكان (pou)، والملك (hexis) والوضع (diathesis). وتوضح الاثنتين الأخيرتين أن القضايا النموذجية (الباردغمية) تتعلق في الواقع بالبشر، نظرًا لأن "الملك" موضح بعبارة "يرتدي قبعة" وأن "الوضع" موضح بـعبارة "يجلس". ويقترح أرسطو أن للكينونة عددًا من المعاني بقدر ما ما يوجد من مقولات. (في النفس، والميتافيزيقا لأرسطو).

خفض الرواقيون عدد المقولات إلى أربع: الجوهر (hypokeimenon) ، والكيف (poion) ، والحالة (pōs echon) ، والعلاقة (pro ti pōs echon). كما يراجع أفلوطين النظرية من وجهة نظر أنطولوجية. (التاسوعات، 6) (1)


في المنطق، والميتافيزيقيا ، وفلسفة اللغة

هي التصورات الأساسية والعامة الخاصة بالفكر أو اللغة أو الواقع. قدم كل من أرسطو وكانط النقاشات الكلاسيكية حول المقولات، على الرغم من أن المقولات تلعب أدوارًا مختلفة في تفكير كل منهما. فقد قدم أرسطو المصطلح في سياق منطقي-فلسفي، بمعنى "إثبات شيء ما من شيء ما" أو "أن يكون شيء ما محمولًا على شيء ما". وبالتالي ، فإن مفهومه عن المقولة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بصورة ’الموضوع - المحمول’. حيث تعتبر المقولات، في المقام الأول، أنواعًا من المحمولات.

وباعتبارها أنواعًا من المحمولات، فإنها تكشف عن طرق مختلفة يمكن أن يكون عليها الموضوع. ونظرًا لوجود نوع مطابق من الكينونة لكل مقولة، يمكن أيضًا اعتبار كل مقولة على أنها نوع من الكينونة. تأتي بعض المقولات من حالات الاستفهام العادية (ماذا ومتى وأين وكيف)؛ والبعض الآخر مشتق من التراكيب النحوية (على سبيل المثال ، الفاعل والمنفعل [ٍسلبًا]). يسرد أرسطو كل المقولات العشر في موضوعين فقط؛ وفي مواضع أخرى، يقدم قائمة أقصر، غالبًا ما تنتهي بعبارة "وهلم جرًا". وقد شرح أرسطو، من خلال تصنيفه للمقولات، العديد من الصعوبات في فلسفة بارمنيدس وأفلاطون، وأثر بشكل كبير على التطور اللاحق للميتافيزيقا.

أما عند كانط فالمقولات هي تصورات محضة غير-إمبريقية خاصة بقدرة الفهم، والتي يجب علينا من خلالها بناء وترتيب موضوعات التجربة حتى تكون التجربة نفسها ممكنة. إنها التصورات التي يجب أن تقع تحتها الأشياء التي يتم حدسها، أو التصورات التي تعطي الوحدة لتأليف الحدس. لقد حدد أرسطو الجدول الأول للمقولات باعتبارها بنيتنا الأساسية في الكلام عن العالم. أما كانط فقد أعاد إحياء نهج أرسطو، لكنه قام بانتقاده في تعريفه للمقولات على نحو عشوائي، وأخذ على عاتقه تحديدها بشكل شامل ومنهجي وعلى وجه اليقين. إذ يعتقد كانط أن المقولات تتفرع من فعل الحكم، وأعني بها الوظيفة المنطقية للفكر في الحكم.

في حين أن فعل الحكم يضم التمثيلات في وحدة ما، فإن المقولات على نحو دقيق هي عبارة عن التصورات المحضة التي نقوم وفقًا لها بتنظيم التجربة في حدس معطى ما. وبالتالي، فإن المقولات وأفعال الحكم كلاهما نفس الشيء بمعنى أن كلاهما يعطي الوحدة لتأليف الحدس. وبالنسبة إلى كانط، هناك العديد من المقولات بقدر ما يوجد هناك أفعال للحكم. صنّف المنطق التقليدي أربعة أنواع من الأحكام، بحيث أن كل نوع منها يحتوي على ثلاثة أحوال: (1) الكم: كلّي، جزئي، فردي؛ (2) الكيف: إثباتي، سلبي، لامحدود؛ (3) العلاقة: مقولية، فرضية، منفصلة؛ و (4) الجهة: إشكالية، توكيدية، جازمة (Apodictic). وفقًا لذلك ، يحتوي جدول المقولات عند كانط على أربعة عناوين، في كل منها ثلاثة عناصر: (1) الكم: الوحدة، الكثرة، الجملة؛ (2) الكيف: الواقع، والسلب والتحديد؛ (3) العلاقة: الجوهر/ الأعراض، السبب/ المسبّب، التبادلية بين الفاعل/ المنفعل؛ (4) الجهة: الإمكانية/ الاستحالة، الوجود/ العدم، الضرورة/ العرضية. نجد أن تحت كل عنوان، يشكل العنصران الأولان تعارضًا، أما العنصر الثالث فينشأ من تركيبهما. بحيث تشكل هذه المقولات الاثنتي عشرة معًا قواعد التفكير.

كان جدول مقولات كانط موضوعًا للخلاف. حيث يوافق البعض على أن المقولات يجب أن تُشتق من المبادئ الأساسية للتفكير، لكنهم يقترحون تصحيحها إما لأنها ليست شاملة أو لأنها لا تعكس التطورات الحديثة في المنطق. أما بالنسبة للنقاد الآخرين، يجب ألا يكون التفكّر الفلسفي في الحكم معنيًا ببنيته الأساسية، ولكن باستخدامه الفعلي، الأمر الذي يتطلب أسسًا غير كانطية لتحديد المقولات. ويقبل بعض الفلاسفة أن المقولات هي تصورات غير-إمبريقية يجب أن نستخدمها لتكون التجربة أو اللغة ممكنة، لكننا نسعى لفهم المقولات خارج سياق تنظيمي. ينظر إلى مفهوم المقولة عند ’رايل’ (Ryle) كمجموعة مفتوحة نسبيًا من الفروق المقولية.

"‘إن الأنواع الأساسية للكينونة هي على وجه التحديد تلك التي يُشار إليها بهيئة المقولات؛ لأن لمعنى الكينونة عدد من المعاني لا يقل عن عدد هذه الهيئات". أرسطو ، الميتافيزيقيا (2)


في القاموس التاريخي لكانط والكانطية

تعتبر أداة أساسية في أكثر فلسفة كانط النقدية، النظرية منها والعملية. كان كانط قد فكر بالفعل في مفهوم مماثل لبعض التصورات المشابهة للمقولات خلال سنوات ما قبل فلسفته النقدية، لكنه افترض أنها ستطبق على الأشياء في ذاتها وليس فقط على الظواهر، ولم يفكر فيها على أنها تؤسس الشروط اللازمة لأي تجربة ممكنة. علاوة على ذلك، لم يتصورها بعد على أنها تشتمل على لوحة منظّمة من التصورات. وهكذا، في الفقرة 8 من الأطروحة الافتتاحية لعام 1770م، فإن كانط يذكر الجوهر أيضاً إلى جانب المقولات التي ستأتي مستقبلاً وهي الإمكان، والوجود، والضرورة، والسببية، لكن في الفقرة 30 فهو يتناول مفهوم حفظ المادة في سياق ومعنى مختلفين تمامًا، وهو مفهوم سيتم إدراجه لاحقًا وعلى نحو دقيق تحت عنوان الجوهر.

تسمى المقولات أيضاً في نقد العقل المحض بالتصورات المحضة لقدرة الفهم، حيث تعمل كصور (قوالب) قبلية أساسية، والتي تصبح وفقًا لها جميع البيانات مؤلفة؛ وهذا التأليف يغدو بدوره بمثابة أساس للتجربة. ونظرًا لأن المقولات تشكل التجربة على هذا النحو، فهي صالحة لها بالكامل، أي كما يقول كانط، لكل تجربة ممكنة. إن هذا السبب أيضًا هو الذي يجعل كانط بأن يزعم أن المقولات هي في نفس الوقت قبلية وتشكل الشروط الضرورية لإمكانية التجربة: حيث أننا بدون توظيف هذه المقولات لن يكون لدينا ترتيب متعين لحدوسنا. علاوة على ذلك، تعمل المقولات كشرط ضرورية لإمكانية معرفة موضوعات التجربة، آخذين بالاعتبار أن هذه الموضوعات ليست سوى حدوسًا متعينة وفقًا للمقولات.

لقد زعم كانط بأن لوحة مقولاته، هي على العكس من لوحة أرسطو، كانت كاملة، باعتبارها اشتُقت على نحو نظامي (سِسْتامي)، فيما يسمى بالاستنباط الميتافيزيقي من جدول الأحكام. حيث شدد كانط أيضًا مرارًا وتكرارًا على أنه لا يمكن تطبيق المقولات بالكامل خارج نطاق الظواهر؛ لأن مثل هذا التطبيق يكون ممكنًا فقط على نحو قياسي (analogous)، حيث لا يمكن بذلك للمقولات أن تعمل كأساس لاكتساب المعرفة. كان كانط مقتنعًا جدًا بالصلاحية العالمية للمقولات التي استخدمها في العديد من الأعمال خلال الفترة النقدية من فلسفته وليس فقط في "نقد العقل المحض" بإصداريه وفي النسخة المبسطة عنه، أي "مقدمة لكل ميتافيزيقيا مستقبلية". وقدم في "نقد العقل العملي" جدول مقولات الحرية، أما في "نقد ملكة الحكم"، فقد وضّح الأحكام الاستطيقية للذوق وفقًا للمقولات، لكنه قام فقط بعكس الكم والكيف، أما في "الأسس الميتافيزيقية للعلم (Metaphysical Foundations of Sci­ence)"، فقد شيّد تحليله للمكونات القبلية عن تصور المادة حول المقولات وحتى أنه في"Opus Postumum"، الذي يمثل نهاية مسيرته التدوينية، حاول تصنيف علاقات القوى المحركة من خلال اللجوء إلى المقولات. (3)


في القاموس التاريخي لهوسرل

المقولة هي لحظة من الصورة تقوم بتوحيد أو "تصوير" الموضوعات أو أجزائها في موضوعات مقولية. وبقدر ما تقدم المقولة من تمفصل [أو صياغة] ضمن الموضوع المقولي، فإنها أيضًا تكمن وراء الخطاب لأنها تسمح بإمكانية التعبير، من خلال تعبير مشكل في بنية نحوية، عن الموضوع المقولي بدلاً من مجرد إطلاق اسم على الموضوع المضمر. (4)


في القاموس التاريخي لهيدغر

تعبر دلالة الكينونة عن نفسها في البنية المقولية للوغوس (العقل)، والتي تعيّن كلاً من كينونة الكائنات وتفكيرنا. حيث أننا نعيش في عالم ذي دلالة أو مبني على نحو مقوليّ، وبالتالي فنحن قادرون على فهمه. يميز هيدجر في ’الزمان والكينونة’ بعناية بين المقولات والوجودانيات (existentials). إذ أن المقولات صالحة فقط إذا كانت عائدة إلى كائنات غير الدّازين (كينونة-الهناك) (Dasein)، (مثل الطبيعة، والأدوات، والأشياء، والموضوعات)، ويجب عدم استخدامها في فهم الدّازين أو في فهم دلالة الكينونة بشكل عام. إن بنية الدّازين لا تتعيّن من خلال المقولات، بل من خلال الوجودانيات. (5)

المصادر:

  1. Historical Dictionary of Ancient Greek Philosophy by Anthony Preus

  2. The Blackwell Dictionary of Western Philosophy by Nicholas Bunnin, Jiyuan Yu

  3. Historical Dictionary of Kant and Kantianism by Helmut Holzhey & Vilem Mudroch

  4. Historical Dictionary of Husserl's Philosophy by John J. Drummond

  5. Historical Dictionary of Heidegger's Philosophy by Frank Schalow and Alfred Denker



115 views0 comments

Recent Posts

See All