الوعي بين الفلاسفة (Consciousness)

إن الشعور هو الكلمة القديمة في التراث الفلسفي الإسلامي التي تشير إلى ’الوعي’، أي إلى كلمة (Consciousness). يقول ابن

سينا في كتاب التعليقات: ’شعورنا بذاتنا هو نفس وجودنا’. وبعض المفكرين العرب مثل جميل صليبا يتابع استخدام هذا المصطلح، وأعني به ’الشعور’ في ترجمته لكلمة (Consciousness)؛ حيث يقتبس عن أبي البقاء قوله:

’الشعور إدراك من غير إثبات، فكأنه إدراك متزلزل’ (كليات أبي البقاء)، ويقول أيضًا في تعريف الشعور: ’هو أول مرتبة في وصول النفس إلى المعنى، وهو مرادف للإحساس، أي للإدراك بالحس الظاهر، وقد يكون أيضًا بمعنى العلم. والمشاعر هي الحواس. والشعور عند علماء النفس إدراك المرء لذاته أو لأحواله وأفعاله إدراكًا مباشرًا. وهو أساس كل معرفة.

لكن تعريف الشعور لا يمكن أن يكون إلا تقريبيًا. لأنه كما يقول (هاميلتون) أحد معطيات الفكر الاولية، ندركه بأنفسنا إدراكًا مباشرًا من غير أن نتمكن من تعريفه، ولعل أحسن وصف له قولنا: أنه الشيء الذي نفقده رويدًا رويدًا عندما ننتقل من الصحو إلى النوم، وما نسترجعه روريدًا رويدًا عندما ننتقل من النوم إلى الصحو.’ (انتهى الاقتباس) (1)

أما أكثر المفكرين فقد ترجموا كلمة (Consciousness) إلى كلمة ’الوعي’، من أمثال إمام عبد الفتاح إمام، وزكي نجيب محمود، وموسى وهبة، وفتحي المسكيني، وقد جاء في موسوعة لالاند الفلسفية (تعريب: خليل أحمد خليل):

"الوعي (Consciousness) هو حدْس (تام نسبيًا، واضح نسبيًا) يكوّنه العقل عن أحواله وأفعاله. -هذا التعريف لا يمكنه أن يكون إلا حدًّا تقريبيًا، نظرًا لأن الوعي، لا يمكن حده" (انتهى الاقتباس) (2)

لذلك، سأعتمد كلمة ’الوعي’ بدلاً من الشعور أولاً لشيوع الاصطلاح في اللغة التداولية، وثانيًا: منعاً من الترادف الممكن حدوثه بين كلمة الشعور وبين كلمة مشاعر(emotions)، والحساسية أو الحالة الشعورية (sensibility).


الوعي في القاموس الفلسفي

إنّ الوعي (من الأصل اللاتيني (conscire) وتعني ’أن يعرف’، و’أن يكون واعيًا لـ’ شيء ما ) هو تعريف يتم تطبيقه على العقل الواعي في مقابل ما يفترض أن يكون عقلًا لاواعيًا أو عقلًا باطنًا، وأيضًا في مقابل النطاق الكامل الخاص بما هو مادي وغير عقلي. يعتبر الوعي عمومًا مصطلحًا غير قابل للتعريف أو بالأحرى مصطلح لا يمكن تعريفه إلا من خلال اللجوء الاستبطاني المباشر إلى التجارب الواعية [الاستبطان (Introspection) هو الإدراك الباطني] . حيث يعبر السير ويليام هاملتون عن عدم قابلية الوعي للتعريف، بقوله:

" لا يمكن حدّ الوعي، حتى أننا قد نكون في داخلنا على معرفة تامة بماهية الوعي، لكننا لا نستطيع وبدون أي التباس، أن ننقل للآخرين تعريفًا لما ندركه في ذواتنا إدراكًا واضحًا. والسبب في ذلك ببساطة: هو أن الوعي الصرف يكمن في أصل كل معرفة"، (محاضرات عن الميتافيزيقا ، I, 191.)

إن تعريف لاد (Ladd) للوعي، والذي يتم اقتباسه كثيرًا، لا ينجح إلا في الإشارة إلى الظروف التي يمكن ملاحظته فيها على نحو مباشر "ذلك الذي نكونه في حالة يقظتنا، على اعتباره مقابلًا لما نحن عليه حين نغرق في نوم عميق وخال من الأحلام، أعني به الوعي."

إنّ تحليل الوعي يسير في اتجاهين رئيسيين. أولًا: يمكن إجراء تمييز بين فعل الوعي ومضمون الوعي، حيث يمكن اعتبار الاثنين مكونين منفصلين للوعي. وثانيًا: يتم تحليل الوعي إلى وظائفه الرئيسية الثلاث: الإدراك (cognition)، والتّأثُّر (affection)، والنُّزوع (conation). قام لوك وريد وآخرون بتقييد الوعي بالإزكان (apprehension) التأملي للعقل المتعلق بحوادثه الخاصة، لكن تم التخلي عن هذا الاستخدام لصالح التعريف الأوسع المشار إليه أعلاه، بينما يستخدم مصطلح الاستبطان للإشارة إلى هذا النوع الخاص من الوعي.

(في الألمانية ’Bewusstsein’) عند هوسرل:

1- هو القصدانية النويماطيقية على نحو عام. إن المُقوّم القصدي لتيار-الوعي الزماني في حد ذاته، هو عبارة عن حالة من حالات ’الوعي’ بمعناه الواسع، رغم أنه يكون سابقًا بشكل متأصّل على التيار القائم.

2- هو تيار الحادث الذاتي، باعتباره يمتلك خاصيّة القصدانية النويماطيقية.

3- هو تيار الحادث الذاتي ’الواقعي’، أو أي جزء منه، باعتباره ’الأنا أفكر’.

الواعي (Conscious) (في الألمانية ’Bewusst’) عند هوسرل:

أولًا: في معناه الأوسع: هو الوعي القصدي على نحو نويماطيقي تجاه شيء ما. حيث يمكن لحادث ما أن يكون في ’حالة وعي’ من خلال هذا المعنى وإن لم تكن في ’حالة وعي’ من خلال المعنى الثاني.

ثانياً: بالمعنى الضيق، هو ’واقعي’، ينتمي إلى ’الأنا أفكر’ (cogito). باعتبار الأنا تعيش في حادث ما بحيث تكون في ’حالة وعي’ من خلال المعنى الثاني، فإنها يقال عليها أنها أيضًا في ’حالة وعي’، و’يقظة’، و’أنها واعية لـ’ (يقظة إلى) الموضوع القصدي للحادث. وحيث أن موضوعات الحوادث هي التي تكون في ’حالة وعي’ (في كلا المعنيين الأولين)، يشار إليها أحياناً باعتبار أنها هي ذاتها في ’حالة وعي’. (3)


في فلسفة العقل

أشكال مختلفة من التجربة الذاتية مثل الإحساس، والمزاج، والعاطفة، والاستذكار، والذاكرة، والفكر، ووعي الذات. حيث تواجه صعوباتٍ بالغة كلُّ المحاولات التي تسعى إلى تطوير تفسير فلسفي لماهية الوعي أو كيف يمكن تفسيره. إذا قمنا بالتركيز على ما يعنيه أن تكون إنسانًا واعيًا، فلن يكون لدينا تفسير ما؛ وإذا حاولنا تفسير الوعي من حيث ما يحدث في عقولنا، فإن الأحساس المطلق بالوعي نفسه سيُترك جانبًا. اعتقد ديكارت أن الوعي هو ماهية العقل أو الخاصية العامة للحالات العقلية، مما يعني أن جميع الحالات العقلية تكون واعية. حيث يكون الوعي، من وجهة النظر الديكارتية، ذاتيًا على نحو غير قابل للاسترجاع، بمعنى أن الفرد الذي يمتلك هذا الوعي يبدو أنه يتمتع بامتياز الوصول إليه بطريقة لا يستطيع أي شخص آخر تحقيقها.

تقوم نسخ مختلفة من النزعات السلوكية والوظيفية والطبيعية بالتصدّي لوجهات النظر الديكارتية تلك، من حيث أنها تحاول تفسير الوعي من الناحية المادية أو الوظيفية أو العصبية. لكن المشكلة المتعلقة بكيف يمكننا فهم الوعي على أساس مادي أو عصبي، وأعني بها الفجوة التفسيرية، فإنها لا تزال قائمة. تشمل القضايا الرئيسية المتعلقة بالوعي في الوقت الراهن ما يلي: هل للوعي دور سببي ما؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هو؟ هل كل الحالات العقلية واعية؟ ما هي العلاقة بين الوعي والقصدانية؟ ما هي الأهمية الفلسفية المتعلقة بالإحساس الصرف للحالات الواعية؟ هل يتمتع الأشخاص بامتياز الوصول إلى حالاتهم الواعية؟

"الوعي: يقال عن شخص ما أنه واعٍ لظرف ما عندما يستخدم كلمات أو صور من الكلمات مع الآخرين أو مع نفسه لإثبات ذلك الظرف." راسّل، أوراق مجمعة لبرتراند راسّل، المجلد التاسع. (4)


في فلسفة كانط

سوف أناقش ’الوعي’ تحت عنوان ’الوحدة الترسندالية للإدراك الباطني (Transcendental Unity of Apperception)’:

من المحتمل جدًا أن كانط قد استعار مصطلح "الإدراك الباطني"، (apperception) [ويعني أيضا إدراك الذات الاستنباطي] من جوتفريد فيلهلم ليبنتز، الذي كان يشير من خلاله في فلسفته الناضجة إلى ’الوعي’ أو ’الوعي بالذات’. واستخدم كانط نفسه تعبيرات "الإدراك الباطني" و "الوعي" و "الوعي بالذات" على نحو تبادلي إلى حد ما، مع التمييز بين الإدراك الباطني الإمبريقي (أو الوعي أو الوعي بالذات) والإدراك الباطني الترسندالي. بحيث اعتبر النوع الأول، والذي كان يسميه عادةً الحس الباطن، بأنه "مشتّت" وغير قادر على توفير أي ذات ثابتة في تيار المظاهر الداخلية. وبالتالي تطلبت هذه المهمة تأسيسًا من خلال النوع الثاني، الذي أطلق عليه كانط أسماء مختلفة هي الإدراك الباطني "المحض" أو "الأصلي" أو "غير المتغير" أو "الضروري" أو "التأليفي" أو الوحدة الترسندالية للإدراك الباطني".

يستمد الإدراك الباطني الترسندالي أهميته الكبيرة في فلسفة كانط النظرية من الدور الذي يلعبه في تصوره عن قدرة الفهم (Understanding) والتجربة، بدلًا مما يمنحه إلى وعينا؛ حيث أن العبارة الأخيرة تتلخص في "التمثيل المجرد للأنا '' (A 117) أو ، بشكل أكثر دقة، إلى قدرتي إلى الوعي "بذاتي ليس كما أظهر لنفسي، ولا كما أكون أنا في حد ذاتي، ولكن فقط باعتباري أنا أكون'' (B 157). إن الوظيفة الأساسية للإدراك الباطني الترسندالي هي توفير أساس ترسندالي لوحدة الوعي. إنه يضمن الهوية القبلية للذات وأفعال الذات، وذلك في المقام الأول من خلال التأكد من أن مُتنوّع التمثُّلات هو متّحد في وعي واحد، أي من خلال التحقّق من أن "أنا أفكّر''، باعتبارها صورة الإدراك الباطني، يمكن أن تصاحب كل تمثُّلاتي؛ إذا لم يكن بالإمكان إحالة التمثُّلات إلى الوحدة الترسندالية للإدراك الباطني، فلن يكون هناك بالنسبة لنا شيء البتة، ولن يكون هناك بالتأكيد معرفة.

ثانيًا، إن الإدراك الباطني الترسندالي هو أعلى وحدة وبالتالي فهو أساس التأليف أو التركيب الضروري لجميع التمثُّلات (B 131). مثل هذا التركيب هو فعل يتعلق بالفاعلية-الذاتية للذات (B 130). إن الإدراك الباطني الترسندالي يكون، من خلال هذا المعنى، متماثلًا مع قدرة الفهم (B 134). وباعتباره الأساس الترسندالي لجميع التصورات، فإنه يؤسس كل شرعية جميع المظاهر، وصورة كل المعرفة المتعلقة بالموضوعات (B 138-39) وبالتالي أيضًا بالتجربة (A 112) وبالطبيعة (A 114). إذ أننا بدون الترتيب الذي يوفره تأليف الوحدة الترسندالية للإدراك الباطني، فلن يكون لدينا موضوعات ولا تجربة ولا حتى طبيعة، ولن يكون مُتنوّع الإدراك إلا "حلماً لا أكثر ولا أقل'' (A 112).

تعامل كانط مع وظيفة الإدراك الباطني وحالته بشكل رئيسي في "الاستنباط الترسندالي" من كتابه ’نقد العقل المحض’. على الرغم من أنه أعاد كتابة هذا الفصل بأكمله في الطبعة الثانية لعام 1787، إلا أنه لم يغير آرائه فيما يتعلق بدور الإدراك الباطني بشكل كبير على أية حال. أحد الاختلافات الهامة التي قدمها والتي تعكس حقيقة أن المخيّلة، تعتبر أمرًا ضروريًا في الطبعة الأولى، كانت قد اختفت من التفسير اللاحق في الطبعة الثانية. وبناءً على ذلك، لم يعد من المفترض أن يكون الإدراك الباطني في الطبعة الثانية أساسًا للمخيّلة من حيث أنه يجعل تأليفه عقليًا، كما كان الحال في الطبعة السابقة (A 124)، ولكن تمت الإشارة بدلاً من ذلك إلى قدرة الفهم، الذي كانت إمكانيته مضمونة (B 131)، والتي شكلت "المعرفة المحضة الأولى" (B 137).

لقد أخذ التغيير الرئيسي الثاني في اعتباره للأهمية العامة للإدراك الباطني من أجل الاستنباط. ورغم أنه قد يُذكر على نحو منصف أنه قد لعب دورًا بارزًا للغاية وعلى نحو فعليّ في الطبعة الأولى، إلا أنه أصبح أكثر أهمية في الطبعة المعدلة. حيث أن كانط هنا لم يقدم نقطة انطلاق لوجهة نظره فحسب، بل إنه قد أسس أيضًا للاستنباط الترسندالي للمقولات وعلى نحو أكثر دقة مما فعل في الطبعة الأولى، حيث قد شدد كانط على الأهمية المنطقية للإدراك الباطني من أجل وحدة الأحكام (B 140).

ومن المثير للاهتمام أن كانط امتنع تمامًا عن استخدام الإدراك الباطني الترسندالي في مقدمته (the Prolegomena)، وهو عمل قد تم تأليفه في الفترة التي تخللت بين طبعتي كتاب النقد الأول، حيث قام بدلاً من ذلك بتأسيس الصلاحية الكليّة والضرورية لأحكام التجربة مباشرة على المقولات. ومن الصعب تحديد ما إذا كان هذا الإغفال ناتجًا عن استعداد كانط لتقديم تصور بديل في مقاربته للتجربة، أو ما إذا كان نتيجة لرغبته في إنتاج تفسير مبسط عنها.

قام جوهان جوتليب فيخته بتقديم تصور أكثر جذرية عن التصور الكانطي للإدراك الباطني الترسندالي من خلال محاولته لاشتقاق نظامه المثالي بأكمله بالاعتماد عليه فحسب. فمن خلال قيامه بذلك، قام على نحو متواصل بتحسين تصوره عن الذات ووعي الذات.أما هيرمان كوهين فقد قام بالفعل في تعليقه على فلسفة كانط النظرية، بإخضاع أهمية الإدراك الباطني الترسندالي لصالح المبدأ الأعلى لقبلية القضايا التأليفية. ومع التطور اللاحق للنزعة الكانطية المحدثة، فقدت الوحدة الترسندالية للإدراك الباطني ارتباطاتها الفلسفية تمامًا. (5)


في فلسفة هيجل

نكون في حالة الوعي حين نشعر بشيئ ما. يبدأ البحث عن المعرفة بالنسبة لهيجل عندما يتحسس الوعي، ويدرك، ويفهم الموضوعات التي تقدم إليه - لكنه يفتقر إلى الشعور بدوره الخاص في هذه الحوادث، مما يتطلب انتقاله إلى وعي-الذات. (6)


في فلسفة شوبنهاور

يعرف شوبنهاور الوعي تحت عنوان الوعي بالأشياء الأخرى (Bewußtsein Anderer Dinge)، حيث ميز شوبنهاور بين نوعين من الوعي ، وعي الذات والوعي بالأشياء الأخرى، تلك الأشياء التي لم يتم التعرّف عليها مباشرة من خلال الإرادة. إن الوعي بالأشياء الأخرى هو وعي بالعالم الخارجي، الذي تسكنه موضوعات معزولة مكانيًا-زمانيًا والتي تكون قائمة ضمن علاقة سببية. تتضمن هذه الأشياء الموضوعات المادية، والأشخاص الآخرين، وجسد المرء ذاته، على اعتبارها تمثُّلات حدسية. كما قام شوبنهاور بتضمين الشروط الكلّيّة والقبلية، والمكان، والزمان، والسببية، على أنها تنتمي إلى وعينا بالأشياء الأخرى وأنها ليست مرتبطةً بوعي الذات. حيث اعتقد شوبنهاور أن الوعي بالأشياء الأخرى هو ما يُقَوّم النمط المسيطر على وعينا بذواتنا. (7)


في فلسفة هوسرل

قام هوسرل في التحقيقات المنطقية بتعريف ثلاثة معانٍ لمصطلح "الوعي": أولاً: الوعي هو الأنا الإمبريقية، من حيث أنها التشابك الموحد للتجارب النفسية في تيار موحد من التجربة. إن هذا المعنى الخاص بالوعي سيكولوجي في طبيعته ويشير إلى جملة مضامين الأنا الواقعية (reelle) ؛ ثانيًا: الوعي هو الإدراك الباطني للفرد لتجربته النفسية؛ ثالثًا: الوعي هو مصطلح آخر للأفعال "العقلية" أو "النفسية"، أي للتجارب القصدية على مختلف أنواعها.

إن المعنى الأخير هو المعنى المفضل عند هوسرل في كتابه ’التحقيقات’، على الرغم من أنه من الواضح في جميع أعمال هوسرل أن هذا المعنى الأخير لا ينفصل عن المعنيين الآخرين، لأنه حين يكون المرء متّجهًا على نحو قصديّ إلى موضوع ما، فإنه يكون واعيًا لنفسه (باعتباره ’أنا’ موحدة) ولكونه في تجربة مع موضوع ما. فضلًا عن ذلك، وفي أعمال هوسرل اللاحقة، فإن المعنى الأول يفقد طابعه النفسي، لأن مفهوم الأنا الموحدة يمكن فصله عن معنى الأنا الإمبريقية، ويمكن اعتبارها على نحو فنومنولوجي محض على أنها "الأنا الفنومنولوجية" أو "الأنا الترسندالية"، وأعني بذلك، اعتبار أنها ’أنا ممكنة’ في ارتباطها مع تيارها الموحد من التجربة التي تكشف عن العالم. لقد تطور المعنى الأول الموسع عن "الوعي" في تفسير هوسرل لوعي-الزمان الباطني؛ في حين تطور المعنى الثاني في تفسيره لوعي-الذات؛ أما الثالث فقد تطور في تفسيره للقصدانية. (8)


في فلسفة هيدغر

يُمثل الوعي بِنية يتجنب هيدجر نسبتها إلى الكائن البشري. فهو بهذه الطريقة، يبتعد عن التركيز الحداثي على الذات، كما تبناه الفلاسفة من رينيه ديكارت وحتى إدموند هوسرل. وحيث أن هيدجر يحاجج بأن التعالي (transcendence) يوفر الأساس للقصدانية، كذلك فإنه يؤكد على أن الكشف عن الدّازين (كينونة -الهناك) هو أكثر أولية من الوعي، وفي نهاية المطاف، فإنه إبانة للكينونة ذاتها. (9)


في فلسفة فتجنشتاين

قد يبدو الوعي وعلاقته بالدماغ على أنه من أكثر الأشياء الموجودة غموضًا. وإن معنى الغموض هذا هو بالضبط ضرب من الأمور التي تشرع منها شكوك فيتجنشتاين الفلسفية. حيث أنه في الفقرة (412) من كتاب ’التحقيقات الفلسفية’، يتحدث عن شعور بالدوار مشابه لما يمكن أن يصيب المرء عند التفكير في نظرية المجموعات الخاصة بجورج كانتور. أن تكون واعيًا هو كأن تكون مستيقظًا، لذلك من الممكن التفكير في الوعي على اعتباره سمة من سمات الحياة، لكنه ليس شيئًا أكثر من "اليقظة" (أو الألم). لذلك فهو ليس موضوعاً غامضًا. ولن يقبل فيتجنشتاين كون أنه ظاهرة غامضة، لأن الظواهر هي ما يظهر للوعي. يدرك الناس هذه الظاهرة وتلك، وبالتالي يمكنهم معرفة أنهم في حالة وعي (كما هو الحال عندما يكون الملاكم قادرًا على حساب عدد الأصابع المرفوعة أمامه)، لكن الوعي في حد ذاته ليس إحدى هذه الظواهر. يبدو أن فيتجنشتاين أيضًا يساوي بين الوعي وامتلاك العقل. حيث يتعرف المرء على من يكون في حالة وعي بنفس الطريقة التي يتعرف من خلالها على من لديه عقل، ولا يكون ذلك من خلال أي أبصار نفسي في داخل ذوات الآخرين (أو في نفس المرء ذاته)، ولكن من خلال العيش مع الآخرين على نحو معيّن، والتفاعل معهم، وتعلم كيفية معاملتهم بالطرق التي يتفاعل ويتعامل المرء فيها مع كائنات بشرية. (10)


المصادر:

  1. المعجم الفلسفي، جميل صليبا

  2. موسوعة لالاند الفلسفية، أندريه لالاند، تعريب خليل أحمد خليل

  3. The Dictionary of Philosophy by Dagobert D. Runes

  4. The Blackwell Dictionary of Western Philosophy by Nicholas Bunnin, Jiyuan Yu

  5. Historical Dictionary of Kant and Kantianism by Helmut Holzhey & Vilem Mudroch

  6. Historical Dictionary of Hegelian Philosophy by John W. Burbidge

  7. Historical Dictionary of Schopenhauer's Philosophy by David E. Cartwright

  8. Historical Dictionary of Husserl's Philosophy by John J. Drummond

  9. Historical Dictionary of Heidegger's Philosophy by Frank Schalow and Alfred Denker

  10. Historical Dictionary of Wittgenstein’s Philosophy, 2nd Edition by Duncan Richter



190 views0 comments

Recent Posts

See All