فينومينولوجيا العمارة/ هيدغر/ البناء - السكن - التفكير

البناء - السكن - التفكير

من كتاب "الشعر- اللغة - الفكر" لمارتن هيدغر، 1971


ترجمة:

يامن زينة

فيما سيأتي سنحاول التفكير في السكن والبناء. هذا التفكير في البناء لا يسلّم بأنه يكشف عن أفكار معمارية، ناهيك عن إعطاء قواعد للبناء. هذه المجازفة في الفكر لا تصوّر البناء كفن أو كتقنية في الإنشاء؛ بل هي تقتفي أثر البناء روجوعاً إلى ذلك المجال الذي ينتمي إليه كل شيء. إذ نحن نسأل:

1- ماذا يعني "أن نسكن

2- كيف ينتمي البناء إلى السكن؟

نحن نبلغ ماهية السكن، كما يبدو، فقط عن طريق البناء. حيث أن هذا الأخير، أي البناء، يمتلك الأول، أي السكن، بكونه غايةً له. إن الجسور والهنغارات، والاستادات الرياضية ومحطات الطاقة جميعها أبنية لكنها ليست مساكن؛ كذلك محطات السكك الحديدية والطرق السريعة، والسدود، وصالات التسوق كلها مبنية، لكنها ليست أماكن للسكن. حتى وإن كانت هذه المباني قائمةً في حيز ما نسكنه. قد يكون سائق الشاحنة في بيته على الطريق السريع لكنه لا يمتلك مأوىً هناك؛ والعاملة في بيتها في طاحونة الهواء لكنها لا تحصل هناك على مكان سكنها؛ ورئيس المهندسين في بيته في محطة الطاقة، لكنه لا يسكن هناك. هذه الأبنية مقام للإنسان. إذ أنه يمكث فيها لكنه لا يسكن فيها، حيث يعني فعل السكن ببساطة أننا نحصل فيها على الملجأ. ومع نقص المأوى في يومنا هذا، فإن هذا القدر منه يكفي ليطمئن أن الأبنية الخاصة بالإقامة (residential) تقوم بتوفير الملجأ بالطبع؛ حيث أن بيت اليوم قد يكون مصمّمًا على نحو جيد، سهل في الحفاظ عليه، رخيص بشكل جذاب، مفتوح إلى الهواء، والضوء، والشمس، لكن، هل تضمن البيوت أنفسها، من حيث كونها أماكن للسكن، أن فعل السكن يحدث فيها؟ تبقى هذه الأماكن السكنية معرّفة على أنها مساكن طالما أنها تقدم للإنسان سكنًا. ومن ثمَّ سيصبح المسكن على أية حال غايةَ كلّ بناء. إن البناء والمسكن متلازمان من حيث كونهما غاية ووسيلة. ومع ذلك، طالما نحن نفكر في ذلك فحسب، فإننا نعتبر، في تعاملنا مع البناء والمسكن على أساس أنهما فعاليتين منفصلتين، أننا نفعل الصواب. لكننا في نفس الوقت، وعن طريق اتخاذنا لخطة (schema) الوسيلة/الغاية، نكون قد حجبنا أنفسنا عن رؤية العلاقات الأساسية. إن البناء ليس ببساطة وسيلةً وطريقةً من أجل السكن فحسب - البناء في ذاته هو فعلًا سكن. من يقول لنا ذلك؟ من يعطينا نموذجًا نكون به قادرين على قياس ماهية [أو طبيعة] السكن والبناء؟

إن ماهية الشيء تأتينا من اللغة، مزودين باحترام ما تمتلكه اللغة من ماهيّة في ذاتها. هناك بالطبع، في هذه الأثناء، يعصف حول الأرض قول وكتابة وبثٌّ ذكي. يتصرف البشر وكأنهم آلهة وأسياد اللغة، بينما في الواقع تبقى اللغة سيدة علينا. ربّما، وقبل كل شيء، كان تقويض البشرية لهذه العلاقة من السيادة هو الذي ساق بطبيعتنا نحو التهميش(alienation). قد يكون خيرًا أننا ما زلنا نحتفظ باهتمام في الحديث، لكن ذلك لن يساعدنا أبدًا طالما أن اللغة ما زالت تخدمنا حتى ذلك الحين كوسيلة للتعبير فحسب. وبين كل الدعوات القائلة بأننا نحن البشر نستطيع أن نجعل أمرًا ما منطوقًا، لا تزال اللغة هي الأعلى والأولى في كل مكان.

إذن ماذا يعني الفعل "يبني (Bauen)" ؟ إن الفعل "يبني (buan)"، في اللغة الإنجليزية القديمة واللغة الألمانية العالية، يعني "يسكن". وهو يشير إلى الأفعال: يظلّ، ويبقى في مكان ما. إن المعنى الحقيقي للفعل (Bauen)، على وجه التحديد، أي "يسكن"، قد فُقِد بالنسبة لنا. لكن تم الحفاظ على أثر مضمر له في الكلمة الألمانية (Nachbar)، [بالانجليزية neighbour]، أي "الجار". إن كلمة "الجار" في اللغة الإنجليزية القديمة هي(neahgebur)؛ إذ يعني المقطع (neah) "قريب - (near)" ويعني المقطع (gebur) "الساكن". إن كلمة (Nachbar) هي ذاتها كلمة (Nachgebur)، أي (Nachgebauer)، وتعني "الساكن القريب"، أي الجار الذي يسكن بالقرب. وكل من الأفعال [ٍالألمانية] (buri, büren, beuren, beuron) تشير إلى فعل السكن، والمنزل، ومكان السكن. حتى أن الكلمة الألمانية القديمة (buan) لا تخبرنا فقط أن الفعل "يبني" تعني حقًا "يسكن"، بل أيضًا أن هنالك دليلًا عن - كيف يجب علينا أن نفكر؟- في - ما الذي يشير إليه الفعل "يسكن"؟ -.

حين نتكلم عن "السكن" نميل عادة بأن نفكر في فعّالية يؤديها الإنسان جنبًا إلى جنب مع العديد من الفعّاليات الأخرى. حيث أننا نعمل هنا ونسكن هناك. ونحن لا نسكن فحسب - فقد يغدو ذلك تقريبًا ضربًا من اللا فعّالية - فنحن نشتغل، ونقوم بالتجارة، ونسافر، ونسكن خلال العملية. إن البناء يعني في الأصل سكنًا. وبينما لا تزال الكلمة (bauen) تتكلم ضمن معناها الأصلي، فإنها تخبر عن - المدى الذي قد يمتد إليه معنى (essence) السكن. إن الكلمات (bauen, buan. bhu, beo) تظهر اليوم في الكلمة الألمانية (bin) [أي يكون]. في الصيغ الزمنية (ich bin) [أي أنا أكون]، و (du bist) [أنت تكون] وصيغة فعل الأمر (bis) [كن].

ماذا تعني إذن عبارة (ich bin) [أنت تكون]؟

نجد الإجابة من خلال الكلمة القديمة (Bauen) : إن عبارتي (ich bin)، و(du bist) و تعنيان في الحقيقة "أنا أسكن، وأنت تسكن"، أي الطريقة التي أكون عليها أنا وتكون عليها أنت، أي أن الكيفية التي نكون بها نحن البشر على الأرض، هي (Buan) أي "السكن". أن تكون وجودًا إنسانيًّا يعني أن تكون على الأرض كشيء فانٍ. ذلك يعني "أن نسكن". إن الكلمة القديمة (Bauen)، التي تخبرنا أننا نحن البشر كائنون طالما أننا ساكنون، تعني أيضًا "أن يحفظ" و"يعتني بـ"، خاصة "أن يحرث" الحقول، و"يحصد" الكروم. [يستخدم هيدغر كلمتي (hegen) و(pflegen) اللتين تعطيان سجعًا جميلاً في الألمانية ]. البناء يعني فقط الاعتناء بعملية الإنبات حتى يظهر المحصول. "أن نبني" على هذا النحو يعني أننا لم ننتج شيئًا. لكن بناء السفن والمعابد ينتج أمرًا ما بطريقة معينة. "أن نبني" (في التضاد مع "أن نحصد") تعني هنا "أن ننتج شيئًا".

إن البناء في حالتيه - البناء في كونه"حصادًا"(1) (cultivating) (في اللاتينية colere, cultura) والبناء في كونه نصبًا للصروح (edifices) (في اللاتينية aedifcare)، كلاهما يندرجان في البناء الأصلي (وبالتالي في السكن). مع ذلك، يفلت "البناء" من حيث كونه "سكنًا"، أي في كونه على الأرض، من تجربتنا المعاشة. إذ أن تجربتنا، كما تخبرنا اللغة على نحو جميل، تعني الشيء الذي نفعله "كالـ - عادة". لهذا السبب، تنحسر خلف الانماط الواضحة التي يتحقق ضمنها السكن، أي فعّاليّات الحصاد والإنشاء. لاحقًا تنتحل هذه الفعّاليّات الاسم من فعل "البناء"، ومعه حقيقة البناء؛ فتصبح ملكها الحصريّ. في حين أن المعنى الحقيقي لـ"أن يبني"، والذي هو "أن يسكن"، صار في طيّ النسيان.

...

...

يتبع...

2020.08.22

(1)قمت بترجمة cultivating حصاد مقابل تثقيف، جاء في ابن منظور "والثِّقافُ: ما تُسَوَّى به الرِّماحُ؛ ومنه قول عمرو: إذا عَضَّ الثِّقافُ بها اشْمَأَزَّتْ، تَشُجُّ قَفا الـمُثَقِّفِ والجَبِينا"، نستخدم في العربية المصدر ثقف للاشارة إلى الثقافة، وهي لا تحوي أي معنى من معاني البناء، وهي مغايرة للاتينية حيث نجد أن الحصاد ( بمعنى الثقافة والبناء) من نفس الأصل. والموضوع يستلزم دراسة فيلولوجية معمقة!

المصدر:

Heidegger, Martin - Poetry, Language, Thought (Harper & Row, 1971)

79 views0 comments