مسألة الكينونة (Being-être-Sein-είναι)

ما يصل إلينا في اللغة العربية من المادة الفلسفية إنما هو غيض من فيض. في الوقت الذي نقوم بقراءة ما كتب وترجم عن الفلاسفة ف

ي القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين يكون قد فاتنا ما كتب عنهم من تحليلات وتأويلات جديدة، منها ما يعطي قراءة مغايرة لفلاسفة كأمثال كانط ونيتشة وهسرل وهيدغر وفتجنشتاين وحتى أرسطو ذاته!. وما يثير الريبة أيضًا أن بعض الكتاب ليس ضليعاً باللغات الفلسفية الأم مثل اليونانية والألمانية والفرنسية يقومون بفهم ما كتب وأول بالعربية. أي أنهم يفهمون عن أحد قد فهم، أو لنقل يؤولون ما قد أول عن الأصل! يقول هيدغر: "قل لي ما هو رأيك في الترجمة، وسأخبرك من أنت". يرى هيدغر أن أكثر ما يستعصي على الترجمة هو الشعر والفكر الفلسفي، طبعاً ليس الفهم كذلك، فقد يفهم المفكر النص لكنه قد يفشل في ترجمته، فالمترجم كما يقول هيدغر يأتي إلى النص وهو يحمل تصوراته المسبقة معه. حيث أنه لا يبدأ أبدًا من الصفر.

إن اللغة العربية أيضًا قبل المترجم تأتي إلى النص الفلسفي وهي تحمل معها تصورات تداولية لها أصول لاهوتية أو ترجع إلى عصر الفلسفة الإسلامية منذ الفارابي وحتى زمن ابن رشد. والأمثلة على ذلك كثيرة منها التصورات غير الثابتة عن الكينونة والوجود، التي لم تبدأ في التشكل الحقيقي إلا في زمن الترجمات اللاتينية، منذ القديس توما الإكويني. يقول: تشارلز هـ. كان (Charles H. Kahn) في كتابه "مقالات عن الكينونة- Essays on Being" ، إن أقوى اللغات التي كتبت فيها الفلسفة لهي اللغة اليونانية، فطبيعة هذه اللغة التداولية والسيمنطيقية هي التي مهدت إلى ظهور المنطق والفلسفة التي نعرفهما الآن. وإن أهم عنصر في هذه اللغة كان قد فتح الطريق إلى المنطق هو طبيعة الجملة التي تكون على الشكل (X is Y) ، ونحن حين نترجم هذه الجملة سنستخدم عدة عبارات تلتف على النص ولن نستطيع من خلال طبيعة اللغة التداولية أن نحقق معنىً أصيلاً لها، يمكن أن نقول: "س" هي "ص"، أو "س" تكون "ص" أو "س" كائنة على هوية "ص"، أو "س" توجد كـ "ص". أي أننا ربما نحل محل الكينونة الهوية حينًا والوجود أحيانًا وقد ننتبه إلى حاجتنا إلى الكينونة على نحو إجباري وليس عفوي المنشأ، صحيح أن الفارابي قد تنبه إلى هذه الإشكالية لكن بقيت الرابطة مجازية في اللغة العربية وليس لها وجود محكي في أساس اللغة، فأنا لا أقول حين أعرّف عن نفسي، كما يقال في اللغة الانكليزية (I am Yamen)، أو في اليونانية (Είμαι γιαμίν)، أو في الألمانية (Ich bin Yamen)، أو في الفرنسية (Je suis Yamen)، أو في اللاتينية (Ego Yamen)؛ بل سأقول "أنا يامن" وفقط لا أكثر ولا أقل، وسأحذف من الجملة فعل الكون المضمر وأهمله، سأهمله في اللغة وأيضًا ربما سأهمله في الفلسفة أيضًا.

18 views0 comments